الأحاديث المنسية
بعد وفاة الرسول الأكرم حضرة محمد ابن عبد الله(ص) ، بدأت صناعة و وضع الحديث تروج و تزداد
من طرف أفراد لا إيمان لهم و لا هدف لهم إلا التسلط على أريكة القدرة و الحكم ، فبدأوا يروجون و يشوقون لهذا العمل.
الأمر الحائز للأهمية هنا هو أن نلاحظ أن الرسول نفسه كان قد أعطى معيارا صلبا لمعرفة الأحاديث الصحيحة عن الأحاديث الموضوعة حين قال :
ما جاءكم عني و لم يكن موافقا للقرآن فدعوه ، فليس مني ". 1
نرى بوضوح هنا أن الرسول جعل محكا لتشخيص الحديث الصحيح من السقيم ، ألا و هو القرآن.
من جهة أخرى يشهد علماء الحديث أجمعهم بصحة حديث "الثقلين" و رووه عن الرسول الأكرم بصور و طرق مختلفة.
من جملتهم نذكر محمد ابن عيسى الترمذي (المتوفى سنة 279 هجري قمري) الذي روى في صحيحه هذا الحديث (و سماه بحديث الثقلين لأنه يشير إلى ىأصلين هما : القرآن و العترة) :
قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم :
إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبدا . أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله ، حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، و عترتي (أهل بيتي) ، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ." 2
إبن عرفة ، و الذي يعرف باسم النفطوية ، كان من أكبر علماء الحديث ، و قد ذكر في تاريخه مطلبا موافقا لمقولة المدائني في كتابه "الأحداث"
فقال :
أكثر الأحاديث التي كانت تذكر فضائل الصحابة قد صنعت و وضعت أيام حكومة بني أمية ، و كان الهدف منها التقرب من قصر الخلافة لنيل رضى بني أمية ، و كان هدف الأمويين من هذا الإذلال بأفراد بني هاشم . 3
في هذه الأثناء ، لبّى جمع من الصحابة نداء معاوية (مؤسس السلسلة الأموية) واستفادوا طولا و عرضا من عطاياه و إمداداته. و لكن قلة أخرى من الصحابة صمدت أمام هذا الإغراء خوفا على دينهم و شرفهم و لم يتبعوا معاوية في عمله الشنيع هذا ، فنالوا منه العقوبة و التعذيب و الإبعاد ، و فضلوا أن يضحوا بأموالهم و أنفسهم طلبا لحفظ إيمانهم و فضيلة اعتقادهم.
كان نتيحة هذا الهول العظيم أن بقيت آلاف الأحاديث الموضوعة بين يدي المسلمين عبر التاريخ ، و هذا مما جعل فهم الإسلام الصحيح يصعب أكثر و أكثر ، و من طرف آخر فقد الإسلام آلاف الأطهار و الأتقياء اللذين ضحّوا بأنفسهم أمام هذه الفضيحة الشنعاء. من ذلك الوقت و بعد ، بدأ ظهور هذه الفرق و المذاهب ، و مما زاد الأمر حدة و جعل وضع الحديث يزيد و يتطور . هذه الفرق التي كانت تعمل باسم الدين ، بما أنها عجزت عن تحريف القرآن ، بدأوا في تقديم الأحاديث الموضوعة و فسّروا القرآن على حسبها و زوروه بآرائهم المزيفة.
إشتدت هذه الحالة ابتداء من القرن الثاني ، و كانت أساسا لخيانة شنيعة دامت في القرون الأخرى المتوالية.
_____________________________
1. Nahj-ol-Fasaha, introduction, p. 84.
2. Alhaghaegh, p. 40. Ekmal-ol-Din, vol. 1, p. 237. ; Da’erat-ol-Ma’aref Tashayyo’a, vol. 6.
3. The Role of Ayesheh in the History of Islam, vol. 3, p.p. 266-268.
|